ابن ميثم البحراني

190

شرح نهج البلاغة

إلى بنى أميّة ومن تابعهم ، ويحتمل أن يريد مطلق الفاسق : أي من يفسق من هؤلاء فيما بعده ويكون بالصفات الَّتي ذكرها من صحبة المنكر وأُلفة له وموافقته لطبعه إلى غاية عمره ، وكنّى عن تلك الغاية بشيب المفارق . وصبغت به خلائقه : أي صار المنكر ملكة له وخلقا ، واستعار لفظ الازدياد تشبيها له بالبحر الطامي ، ووجه التشبيه كونه عند غضبه لا يحفل بما يفعله في الناس من المنكرات كما لا حفلة للبحر بمن غرق فيه ، وكذلك شبّه حركته في المنكرات والظلامات بوقع النار في الحطب ، ووجه الشّبه كونه لا يبالي بتلك الحركات كما لا يبالي النار بما أحرقت . ثمّ أخذ يسئل عن العقول المستكملة بأنوار اللَّه ، واستعار لفظ مصابيح الهدى : إمّا لأئمّة الدين أو لقوانينه الكلَّيّة . والاستصباح بها : الاقتداء بها . والأبصار اللامحة إلى منار التقوى : أي الناظرة إلى أعلام التقوى ، واستعارة لفظ المنار كاستعارة لفظ المصابيح . ثمّ عن القلوب الَّتي وهبها للَّه أهلها : أي جعلوا هممهم مطالعة أنوار كبرياءه والتوجّه إلى كعبة وجوب وجوده . وعوقدت على طاعة اللَّه : أي أُخذ خلفاء اللَّه عليهم العهد بطاعته والمواظبة عليها . ثمّ عاد إلى ذمّ السابقين وتوبيخهم بازدحامهم على حطام الدنيا ، واستعار لفظ الحطام لمقتنيات الدنيا ، ووجه الاستعارة سرعة فنائها وفسادها كما يسرع فساد النبت اليابس وتكسيره ، وبتشاحّهم على الحرام : أي كلّ واحد يشاحّ صاحبه على الحرام ويبخل به عليه ، وأشار بعلم الجنّة إلى قانون الشريعة القائد إلى الجنّة وبعلم النار إلى الوساوس المزيّنة لقينات الدنيا . والعلم الأوّل بيد الدعاة إلى اللَّه وهم الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ومن بعده من أولياء اللَّه من أهل بيته والتابعين لهم بإحسان ، والعلم الثاني بيد إبليس وجنوده من شياطين الجنّ والإنس الداعين إلى النار . ثمّ ذمّهم بصرفهم وجوههم عن الجنّة وإقبالهم بأعمالهم على النار حين رفع العلمين من قبل الدعاة : وإنّما قال : وأقبلوا بأعمالهم . ولم يقل بوجوههم . كما قال : فصرفوا وجوههم . لأنّ إقبالهم بوجوه نفوسهم على لذّات الدنيا واقتنائها يستلزم صرفها عن الأعمال الموصلة إلى الجنّة وذلك يستلزم إعراضها عن الجنّة . ثمّ لمّا كانت الغاية الَّتي يطلبها الإنسان من الدنيا هو الحصول على لذّاتها وكانت النار لازمة